ابن أبي الحديد

175

شرح نهج البلاغة

( 45 ) الأصل : قدر الرجل على قدر همته ، وصدقه على قدر مروءته وشجاعته على قدر أنفته ، وعفته على قدر غيرته . * * * الشرح : قد تقدم الكلام في كل هذه الشيم والخصال ، ثم نقول هاهنا : إن كبر الهمة خلق مختص بالانسان فقط ، وأما سائر الحيوانات فليس يوجد فيها ذلك ، وإنما يتجرا كل نوع منها الفعل بقدر ما في طبعه ، وعلو الهمة حال متوسطة محمودة بين حالتين طرفي رذيلتين ، وهما الندح ، وتسميه الحكماء التفتح - وصغر الهمة - وتسمية الناس الدناءة ، فالتفتح تأهل الانسان لما لا يستحقه ، وصغر الهمة تركة لما يستحقه لضعف في نفسة ، فهذان مذمومان ، والعدالة وهي الوسط بينهما محمودة ، وهي علو الهمة ، وينبغي أن يعلم أن المتفتح جاهل أحمق ، وصغير الهمة أوليس بجاهل ولا أحمق ، ولكنه دنئ ضعيف قاصر ، وإذا أردت التحقيق ، فالكبير الهمة من لا يرضى بالهمم الحيوانية ، ولا يقنع لنفسه أن يكون عند رعاية بطنه وفرجه بل يجتهد في معرفة صانع العالم ومصنوعاته ، وفى اكتساب المكارم الشرعية ليكون من خلفاء الله وأوليائه في الدنيا ، ومجاوريه في الآخرة ، ولذلك قيل : من عظمت همته لم يرض بقينة مستردة ، وحياة مستعارة ، فإن أمكنك